عبد الملك الجويني
8
نهاية المطلب في دراية المذهب
المروءة يُشعر بترك المبالاةِ والخروجِ عن التماسك ، فهو يُسيء الظنون بالتحفظ في الشهادة . وفي هذا سرّ خفي ، وهو أن من انحلّ كذلك ، غلب على الظن انحلاله في المعاصي ، وشهادةُ الزور منها ، فرجع الرد في ترك المروءة إلى ظنٍّ غالب في ارتكاب المعصية ، ومنه ما يغلّب على الظن خبلاً في العقل ، فهذا هو المحذور ممن لا مروءة له . ومما يجب مراعاته في الباب أمور العادات ، وهي من أعظم الأقطاب ، وذلك جارٍ في الذنوب وترك المروءات . وبيانه أن اللعب بالنرد إن ثبت أنه ليس من الموبقات والكبائر ، فإذا استعظمه أهل قُطر ، فلا يُقدم عليه إلا جسور . وقد لا يستعظمه أهل ناحية ، فيُعتبر في حق أهلها الإصرارُ . وأمور العادات غالبة في المروءات ، حتى لو قيل : جملتها مرتبطة بالعادات ، لم يكن بعيداً . فمن لبس من الفقهاء القَباء في هذه الديار يعد خارماً للمروءة ، وقد يعتاد الفقهاء ذلك في بعض بلاد الشرق ، فلا يُنسبون إلى خرم المروءة . وقد يعتاد السوقة ببغداد التحنك ( 1 ) والتطلّس ، وذلك من عوامّ الناس خرق للمروءة في بلادنا . وألحق الأئمة بفصل المروءات الكلامَ في أصحاب الحرف الدنيّة كالدباغ ، والكنّاس ، والحجام ، والمدلّك ، فذكروا وجهين في قبول شهادتهم ، وسبب ذلك أنهم على عادةٍ مستمرة فيما هم فيه ، فلم يكونوا خارمين لعادةٍ من وجه ، واختيارهم تلك الحرف يورث خرماً ودلالة على خسّة الجوهر ، فكان هذا التردد مثاراً للخلاف . وذكر بعض الأصحاب [ الحاكة ] ( 2 ) وعدوهم من أهل الحرف الدنية ، قال القفال : ليسوا عندي كذلك ، فهم ينسجون غزلاً كما يخيط الخياط ثوباً منسوجاً ، وهذا الذي ذكره حسن في فنه ، ولكن يتطرق إلى الحاكة أمر نبهنا على تمهيده ، وهو أن الناس
--> ( 1 ) التحنّك : طريقة في لبس العمامة ، حيث يديرها من تحت حنكه ، ولا يكتفي بأن يجعلها حول رأسه ( القاموس ) . ( 2 ) في الأصل : " الحالة " .